عبد الملك الجويني

245

نهاية المطلب في دراية المذهب

ومن فصل بين العلمِ والجهلِ رأى السببَ مؤكداً في حالة الجهل ، وقدَّره منقطعاً مع علم المشتري ؛ حتى كأن رضاه بما رآه قاطعٌ لما سبقَ من السبب . فإن حكمنا بالانفساخ من غير تفصيل ، فلا كلام . وإن قلنا : لا ينفسخ العقد ، فإن كان عالماً ، لم يرجع بشيء ، وإن كان جاهلاً ، رجعَ بأرش العيب ، فيقوَّمُ العبد مرتداً ومسلماً وتُضبط النسبة والجزئية ، ويثبت الرجوع بذلك الجزء من الثمن ، فمهما ( 1 ) كان الكلام في الرجوع بالأرش ، اختلفَ الحكم بالعلمِ والجهل بلا خلاف ، وإنما الخلافُ في الانفساخ ؛ فإن من أصحابنا من حكم بالانفساخ مع العلم بحقيقة الحال . وكان شيخي يحكي طريقين في شراء العبدِ المريض وقبضِه ، وتمادي المرضِ إلى الموت في يد المشتري ، فمن أصحابنا من ألحقَهُ بالردة والقتل بها . ومنهم من قطع بأن الموتَ بالمرض من ضمان المشتري قولاً واحداً ؛ فإن المرض يتزايد ويتجدَّد في يد المشتري ، حتى يُفضي إلى الهلاك ، والردةُ خصلةٌ واحدةٌ ، وقد سبقت في يد البائع . ثم إذا قلنا : التلف من ضمان المشتري ، فيرجع الكلام إلى الرجوع بالأرشِ ، وذلك يختلف بالعلمِ والجهل كما تقدّمَ . ويتفرع على ما ذكرناه أن من اشترى عبداً سارقاً ، فقُطعت يدُه في يد المشتري ، فهذا مستندٌ إلى سبب سابق ، فإن اتبعنا وقوعَ السبب ، جعلناه كما لو حصل القطعُ في يد البائع ، فيُرعَى الأرشُ في عبدٍ أقطعَ وسليمٍ ( 2 ) . وإن اتبعنا وقوعَ المسبَّب ، فقد يثبت عند الجهلِ الرجوعُ بالأرشِ ، ولكنَّ سبيلَه ما نصفه ، فنقول : عبدٌ متهيىءٌ

--> ( 1 ) " مهما " بمعنى ( إذا ) . ( 2 ) المراد أن الأرش هنا يعتبر أرْشَ القطع ، أي النقص الذي حدث بسبب القطع ، على حين في حالة اعتبار وقوع المسبب يكون الأرش عن النقص الواقع بسبب تهيؤ العبد للقطع ، وليس بحصول القطع . وهو فرق دقيق في المعنى ، يشهد بدقة الإدراك . ولكن لنا أن نتساءل عن الفرق بين أرش القطع ، وأرش التهيؤ للقطع ، وهل هناك فرق واقعاً وفعلاً ؟ ؟ إن الأقطع عرفت حقيقةُ حاله ، ووضح أمره ، أما المستحق القطع المتهيىء له ، فسيقطع اليوم أو غداً ، ولا يُدْرى كيف سيكون أثر القطع عليه . فلعلّ هذا هو الفرق .